5 /مهر/ 1370

خطب صلاة الجمعة في طهران

19 دقيقة قراءة3,732 كلمة

ملاحظة: تمت ترجمة هذا النص تلقائياً باستخدام GPT-4o-mini وقد يحتوي على أخطاء. يمكنك العثور على النص الفارسي الأصلي ورابط المرجع أدناه. يمكنك أيضاً دعمنا للترجمة إلى مزيد من اللغات باستخدام نماذج أكثر قوة.

الخطبة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين، لا سيما بقية الله في الأرضين، وصل على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

قال الله الحكيم في كتابه: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا

أوصي جميع الإخوة والأخوات المصلين الأعزاء بمراعاة التقوى والورع واتباع الطريق الواضح الذي وضعه النبي الأكرم للإسلام وجميع أنبياء الله وأولياء الدين (عليهم السلام) أمام البشرية. كونوا ذاكرين لله، واذكروا الله وراعوه في جميع أفعالكم وأقوالكم وسلوككم، وحتى في خواطركم وذهنياتكم وأفكاركم.

اليوم هو يوم ولادة النبي الأكرم للإسلام، المنقذ العظيم للبشرية، معلم الإنسان ورافع راية فلاح البشر ونجاتهم، حضرة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك يوم ولادة ابن ذلك العظيم، إمام الشيعة وحجة الله على المسلمين وعلى جميع أهل الأرض، حضرة الإمام الصادق (ع). أرفع التهنئة بهذا اليوم المبارك وبهاتين الولادتين إلى جميعكم أيها الإخوة والأخوات، وإلى الأمة الإيرانية الكبرى كلها، وإلى جميع المسلمين.

أخصص الخطبة الأولى لبيان جمل من حياة النبي الأكرم. لقد أمرنا الله تعالى نحن المسلمين أن نتبع النبي. وهذا الاتباع يشمل كل شيء في الحياة. ذلك العظيم ليس أسوة وقدوة في قوله فحسب، بل في سلوكه أيضا، وفي هيئة حياته، وفي كيفية معاشرته للناس ولأسرته، وفي تعامله مع الأصدقاء، وفي معاملته للأعداء والغرباء، وفي سلوكه مع الضعفاء ومع الأقوياء، في كل شيء. إن مجتمعنا الإسلامي لا يكون مجتمعا إسلاميا كاملا بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا حين يطبق نفسه على سلوك النبي. وإذا لم يكن العمل ممكنا على نحو مطابق مئة بالمئة لسلوك ذلك الحضرة ـ وهو ليس ممكنا ـ فليكن على الأقل مشابها لذلك العظيم؛ وألا يكون عكس مسار حياة النبي الأكرم هو الحاكم على حياتنا؛ بل نتحرك في ذلك الخط.

أعرض في ثلاثة مشاهد من المشاهد المهمة في حياة النبي جملا مختصرة من ذلك العظيم. وبالطبع فقد كُتبت في هذا الباب كتب مفصلة، والكلام أطول وأبسط من أن يمكن أداء حقه في أحاديث من هذا القبيل. لا بد من أن نقتطف سنبلة من كل بيدر زهر؛ لكي تبقى ذكرى ذلك العظيم حية دائما في أذهاننا.

المشهد الأول من حياة النبي هو مشهد الدعوة والجهاد. كان العمل المهم لرسول الله هو الدعوة إلى الحق والحقيقة، والجهاد في سبيل هذه الدعوة. في مواجهة العالم المظلم في زمانه، لم يصب النبي الأكرم بالاضطراب. سواء في ذلك اليوم الذي كان فيه وحيدا في مكة، أو كانت جماعة صغيرة من المسلمين تحيط به، وفي مقابله رؤساء العرب المتكبرون، وصناديد قريش والمتجبرون، بأخلاقهم الخشنة وأيديهم القوية، أو عامة الناس الذين لم ينالوا حظا من المعرفة، فإنه لم يخف؛ بل قال كلمة الحق، وكررها، وبيّنها، وأوضحها، وتحمل الإهانات، واحتمل المشقات والآلام، حتى استطاع أن يُسلم جمعا كثيرا؛ وكذلك حين أسس الحكومة الإسلامية، وأمسك هو نفسه بزمام القدرة في موقع رئيس هذه الحكومة. ففي ذلك اليوم أيضا كان أمام النبي أعداء ومعارضون متنوعون؛ سواء الجماعات العربية المسلحة ـ أولئك الوحشيون الذين كانوا متفرقين في صحارى الحجاز واليمامة في كل مكان، وكانت دعوة الإسلام ينبغي أن تصلحهم وكانوا يقاومون ـ أو ملوك العالم الكبار في ذلك اليوم ـ القوتان العظميان في عالم ذلك اليوم؛ أي إيران والإمبراطورية الرومية ـ فقد كتب النبي الرسائل، وخاض المجادلات، وقال الكلمات، وسيّر الجيوش، وتحمل المشقات، ووقع في حصار اقتصادي، وبلغ الأمر حدا أن أهل المدينة كانوا أحيانا لا يجدون خبزا يأكلونه يومين أو ثلاثة أيام. وقد أحاطت بالنبي تهديدات كثيرة من كل جانب. وكان بعض الناس يقلقون، وبعضهم يتزلزلون، وبعضهم يتذمرون، وبعضهم يشجعون النبي على اللين والمساومة؛ لكن النبي في هذا المشهد من الدعوة والجهاد لم يصبه الوهن لحظة واحدة، بل مضى بالمجتمع الإسلامي بقوة حتى أوصله إلى ذروة العزة والقدرة؛ وكان ذلك النظام والمجتمع هو الذي استطاع في السنوات اللاحقة، ببركة ثبات النبي في ميادين القتال والدعوة، أن يتحول إلى القوة الأولى في العالم.

المشهد الثاني من حياة النبي هو سلوك ذلك الحضرة مع الناس. لم ينس أبدا الخلق الشعبي والمحبة والرفق بالناس والسعي إلى إقرار العدالة بينهم؛ فقد عاش مثل الناس ومن صميم الناس؛ وجالسهم وخالطهم؛ وصادق العبيد والطبقات الدنيا من المجتمع ورافقهم؛ وكان يأكل معهم؛ ويجلس معهم؛ ويعاملهم بالمحبة والمداراة؛ ولم تغيره القدرة؛ ولم تبدله الثروة الوطنية؛ ولم يختلف سلوكه في زمن الشدة عنه في الزمن الذي زالت فيه الشدة؛ ففي جميع الأحوال كان مع الناس ومن الناس؛ يرفق بالناس ويريد لهم العدالة.

في حرب الخندق، حين كان المسلمون في المدينة محاصرين تقريبا من كل جانب، ولم يكن الطعام يصل إلى المدينة، وكانت مؤونة الناس قد نفدت، حتى إن أحدا كان أحيانا لا يجد طعاما يأكله يومين أو ثلاثة، كان النبي الأكرم نفسه في تلك الحال يشارك الناس في حفر الخندق في مواجهة العدو، ويعاني الجوع مثلهم.

ورد في الرواية أن فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) كانت قد حصلت بشق الأنفس على شيء من الدقيق للحسن والحسين ـ وكانا طفلين صغيرين ـ وخبزت خبزا قليلا، فلم يطاوعها قلبها أن تترك أباها جائعا. فأخذت قطعة من ذلك الخبز الذي خبزته للأطفال وذهبت بها إلى أبيها. فقال النبي: يا ابنتي! من أين جئت بهذا؟ قالت: هو للأطفال. فوضع النبي لقمة في فمه وأكل. وطبقا للرواية ـ التي أظن أن سندها أيضا سند معتبر ـ قال النبي: أنا منذ ثلاثة أيام لم آكل شيئا! إذن، كان مثل الناس أنفسهم وإلى جانبهم، وكان يرفق بهم ويداريهم؛ سواء في هذه الحال، أو في الزمن الذي زالت فيه الشدائد، وفُتحت مكة، وقُمِع الأعداء، واستقر كل شيء في موضعه.

بعد فتح الطائف، وصلت إلى النبي غنائم كثيرة، وكان يوزعها بين المسلمين. وكان بعض المسلمين ذوي إيمان راسخ، وهؤلاء كانوا جانبا؛ وكان بعض آخر من هؤلاء المسلمين الجدد ومن قبائل أطراف مكة والطائف، فانقضوا على النبي وطلبوا الغنيمة؛ وآذوا النبي وحاصروه؛ وكان النبي يعطي، فيأخذون؛ لكنهم كانوا يريدون المزيد! وبلغ الأمر حدا أن العباءة التي على كتف النبي وقعت أيضا في أيدي هؤلاء العرب المسلمين الجدد الجفاة الخشنين! وهنا أيضا، مع أنه كان في ذروة العزة والقدرة، عاد النبي فتعامل مع الناس بذلك الرفق نفسه، وبتلك المداراة نفسها، وبتلك البشاشة نفسها؛ فرفع صوته بحسن خلق وطيب نفس وقال: «أيها الناس ردوا علي بردي»؛ أيها الناس! أعيدوا إلي عباءتي! هكذا كانت معاشرة النبي مع الناس.

كان النبي يجالس العبيد ويأكل معهم. وكان جالسا على الأرض يأكل مع جماعة من الفقراء. فمرت امرأة بدوية وسألت متعجبة: يا رسول الله! أتأكل مثل العبيد؟! فتبسم النبي وقال: «ويحك، أي عبد أعبد مني»؛ من هو أعبد مني؟

كان يلبس لباسا بسيطا. وكان يأكل أي طعام يوضع أمامه ويتيسر؛ ولم يكن يطلب طعاما خاصا؛ ولم يكن يرد طعاما بوصفه غير مرغوب. وهذه الأخلاق لا نظير لها في تاريخ البشرية كله. ومع هذه المعاشرة، كان في غاية النظافة والطهارة الظاهرية والمعنوية، حتى قال عبد الله بن عمر: «ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أوضأ من رسول الله»؛ لم أر أحدا أسخى منه، ولا أكثر نجدة، ولا أشجع، ولا أضوأ. هذا هو سلوك النبي مع الناس؛ معاشرة إنسانية، معاشرة حسنة، معاشرة مثل الناس أنفسهم، من دون تكبر، ومن دون جبروت. ومع أن للنبي هيبة إلهية وطبيعية، وكان الناس يضطربون في حضرته، فإنه كان يلاطف الناس ويحسن أخلاقه معهم. وحين كان جالسا في جمع، لم يكن يُعرف أنه النبي والقائد وكبير هذه الجماعة. وكانت إدارته الاجتماعية والعسكرية في أعلى المستويات، وكان يتفقد كل الأعمال. وبالطبع كان المجتمع مجتمعا صغيرا؛ المدينة وما حولها، ثم مكة ومدينة أو مدينتان أخريان؛ لكنه كان يهتم بأمور الناس، وكان منظما ومرتبا. وفي ذلك المجتمع البدوي، أدخل بين الناس الإدارة والديوان والحساب والمحاسبة والتشجيع والعقاب. وهذه أيضا هي حياة النبي في معاشرته، التي ينبغي أن تكون لنا جميعا ـ للمسؤولين في البلاد ولآحاد الناس ـ أسوة وقدوة.

وأخيرا، فإن المشهد الثالث من حياة النبي هو ذكره وعبادته لله. فالنبي، مع ذلك المقام وتلك الشأن والعظمة، لم يكن يغفل عن عبادته؛ كان يبكي في منتصف الليل ويدعو ويستغفر. رأت أم سلمة ذات ليلة أن النبي ليس في مكانه؛ فذهبت فرأته مشغولا بالدعاء، يذرف الدموع ويستغفر ويقول: «اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». فبكت أم سلمة. فالتفت النبي من بكائها وقال: ما الذي تفعلينه هنا؟ قالت: يا رسول الله! وأنت الذي يعزك الله تعالى هذا المقدار، وقد غفر لك ذنوبك ـ «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» ـ فلماذا تبكي وتقول: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا؟ فقال: «وما يؤمنني»؛ إذا غفلت عن الله، فما الذي سيمسكني؟ وهذا درس لنا. في يوم العزة، وفي يوم الذلة، وفي يوم الشدة، وفي يوم الراحة، وفي اليوم الذي يحاصر فيه العدو الإنسان، وفي اليوم الذي يفرض فيه العدو نفسه بكل عظمته على عين الإنسان ووجوده، وفي جميع الأحوال، أن نذكر الله، وألا ننسى الله، وأن نتوكل على الله، وأن نطلب من الله؛ هذا هو الدرس الكبير الذي يعطينا إياه النبي.

لقد كان الله تعالى ذاكرا للنبي في جميع المشاهد، وكان الرسول الأكرم يستمد من الله في جميع المشاهد، ويطلب من الله، ولا يخاف ولا يهاب غير الله. وهذا هو السر الأصلي لعبودية النبي أمام الله؛ ألا يحسب أي قوة في مقابل الله شيئا، وألا يتهيب منها، وألا يقطع طريق الله من أجل أهواء الآخرين. وينبغي لمجتمعنا، بالتعلم من هذه الأخلاق النبوية، أن يتحول إلى مجتمع إسلامي.

إن الثورة ليست لكي يذهب أناس ويأتي أناس آخرون؛ إنما الثورة لكي تتغير القيم في المجتمع؛ ولكي تكون مكانة الإنسان وقيمته بعبوديته لله؛ ولكي يكون الإنسان عبدا لله، ويعمل لله، ويخاف الله، ولا يخاف غير الله، ويطلب من الله، ويعمل ويجتهد في سبيل الله، ويتدبر في آيات الله، ويعرف العالم معرفة صحيحة، ويشد العزم على إصلاح المفاسد العالمية والبشرية، ويبدأ من نفسه؛ فليبدأ كل واحد منا من نفسه.

اللهم إنا نسألك بحق حرمة مقام النبي، أن تُحدث في باطننا وقلوبنا وأرواحنا تحولا عميقا وإسلاميا. اللهم اجعلنا أهلا لاسم أمة النبي. اللهم أرض عنا إمام زماننا، الذي هو خليفة النبي وحجة الله في زماننا. اللهم أبقنا دائما مرفوعي الرأس في ميدان الجهاد والمقاومة.

بسم الله الرحمن الرحيم

والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد، وعلى علي أمير المؤمنين، وعلى الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين، وعلى الحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى، وعلى علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف القائم المهدي، حججك على عبادك وأمنائك في بلادك، وصل على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين. أوصيكم عباد الله بتقوى الله.

اليوم تُطرح أمامنا مسألتان مهمتان ومؤثرتان في وضع مجتمعنا وبلدنا، بوصفهما ذكريين وذكريين عزيزتين لنا: إحداهما ذكرى سنوات الدفاع المقدس في مواجهة الحرب المفروضة، والأخرى ذكرى أسبوع الوحدة، وسأعرض بإيجاز مطالب حول كل واحدة منهما. وقبل ذلك نذكر الشهداء الذين نحيي أسماءهم عادة في هذه الأيام ـ الشهيد هاشمي نجاد، العالم المناضل المضحي؛ والقادة الأعزاء الذين استشهدوا في هذه الأيام ـ ونحيي ذكراهم الكريمة.

أما بشأن الدفاع المقدس، فإن ما ينبغي لأمتنا بعد انقضاء المرحلة الصعبة من الحرب ذات السنوات الثماني أن تتدبر فيه هو: من الذي أوجد هذه الحرب؟ ولماذا أوجدها؟ وما الذي حدث حتى لم ينجح؟ هذه هي النقاط الثلاث الأساسية.

السؤال الأول: من الذي أوجد الحرب؟ لا يمكن القول إن العراق وحده هو الذي أوجد الحرب. فجميع القرائن منذ بداية الأمر كانت تدل على أن الاستكبار كان وراء العراق؛ فقد قدموا له المساعدة العسكرية؛ وساعدوه من الناحية الدعائية، ووضعوا مجلس الأمن في خدمة المعتدي. ومع أن حربا بهذه الأهمية كانت قد وقعت في هذه النقطة الحساسة، فقد مرت أيام لم تُبد فيها الأمم المتحدة أي رد فعل؛ وهذا ليس أمرا عاديا. ففي هجوم العراق على الكويت، اتخذ مجلس الأمن موقفا بعد بضع ساعات؛ أما في هجوم العراق على إيران، فإلى أن كانت الدبابات العراقية تتقدم، ظل مجلس الأمن ساكتا جالسا متفرجا؛ وبعد أن كانوا قد احتلوا آلاف الكيلومترات، قال مجلس الأمن كلمة واحدة، ولم تكن حتى إدانة للعدوان؛ ولم يلم العراق على أنه اعتدى وبدأ الحرب؛ بل قال للطرفين: تعالوا الآن وكفوا عن الحرب وأوقفوا إطلاق النار! أي إنه في الحقيقة كان تثبيتا للعراق في أراضينا المحتلة. وبالطبع لم نقبل، ورددنا ذلك القرار.

ولأن مجلس الأمن كان في يد القوى الكبرى، وكانت تلك القوى أيضا وراء نظام العراق، فإنه لم يتخذ حتى النهاية أبدا موقفا عادلا تماما ومئة بالمئة من الحرب؛ إلى أن صدر في الآونة الأخيرة، وبعد جهود كبيرة ومساع كثيرة بُذلت من كل جانب، القرار 598 عن مجلس الأمن.

لقد وقف الشرق والغرب وراء العراق. وكادت أوروبا كلها تساعد العراق. وفي أيام الحرب كنا نقول هذا على سبيل الحدس، وكانت القرائن تدل عليه؛ ولكن في هذين العامين الأخيرين ظهرت له شواهد قطعية؛ فقد اعترف الجميع، وخرجت الوثائق واحدة بعد أخرى؛ مساعدة أميركا، ومساعدة الناتو، ومساعدة الاتحاد السوفيتي التي كانت معلومة منذ اليوم الأول. إن الكتلة الشرقية، وهذه البلدان نفسها في أوروبا الشرقية التي تعاني اليوم من هذه المصائب، قدمت أكبر خدمة لنظام العراق طوال الحرب؛ أما رجعية المنطقة فحدث ولا حرج. إذن، لم يُوجد الحرب نظام العراق وحده ـ كان نظام العراق عاملا واحدا ـ بل أوجد الحرب عالم الاستكبار كله ومن تبعه؛ وهذا اليوم أمر واضح لا يحتاج إلى كثير من النقاش.

السؤال الثاني: لماذا أوجدوا الحرب؟ وهذا أيضا أمر واضح: لقد أوجدوا الحرب لكي يقضوا على النظام الإسلامي، أو يضطروه إلى الاستسلام؛ ولم يكن يفرق عندهم أي الأمرين يقع. كانوا يريدون إما أن تسقط الجمهورية الإسلامية بسبب الاحتلال ومشكلات الحرب، أو إذا لم تسقط، فكما أن أكثر البلدان التي تُبتلى بهذه المصائب تتجه في النهاية إلى قوة كبرى وتمد يدها إليها، فلعل الأمة الإيرانية والإمام العظيم الشأن لهذه الأمة يضطران أيضا إلى الاستسلام أمام الأعداء، ويمدان أيديهما ويقولان: حسنا، نحن مستسلمون؛ فلا تدعوا العراق يضربنا إلى هذا الحد. ولا ريب أن هدفهم كان هذا؛ لكن هذه الأمنية بقيت في قلوبهم.

لو أن إيران استسلمت أمام أميركا، لانتهت الحرب سريعا. وبالطبع فإن مصيبة هيمنة أميركا أشد مئة مرة من مصيبة الحرب. إن مصيبة تسلط الأجنبي على أمة ما أثقل وأشد من مصيبة أي حرب مهما كانت خسائرها. انظروا اليوم كيف يتعاملون مع نظام العراق. فما إن تسلطوا، وما إن تحقق الاستسلام أمامهم، حتى صار الاستكبار لا يعرف أي حد. إنما يحسب هؤلاء حسابا لصمود الناس، ويضطرون إلى مراعاة الحدود بسببه. وكل أمة أظهرت أصغر علامة استسلام أمام الاستكبار خسرت؛ خسارة ثقيلة جدا. كان هدفهم أن يضطروا الجمهورية الإسلامية إلى الاستسلام؛ لكنهم لم يستطيعوا.

بعد ثماني سنوات من الحرب، لسنا بحاجة إلى أن نقسم ونأتي بالآيات على أننا انتصرنا في الحرب. وما هو الانتصار في الحرب؟ إذا هاجم عدو بهذه الضخامة من القدرة وبهذه العظمة المادية أمة ما، وحاربها ثماني سنوات، ثم بعد ثماني سنوات يكون كل شيء كما كان في اليوم الأول؛ فلا تكون خطوة واحدة من أرض هذه الأمة في يد غيرها، ولا تكون هذه الأمة قد قبلت أصغر فرض من العدو، أفليس هذا انتصار هذه الأمة؟ لقد استطاعت أمتنا بشبابها، وبمقاتليها، وبجيشها وحرسها وتعبئتها الشعبية، وبعشائرها الشجاعة، وبأهل الأسواق والأزقة فيها، وبأسرها المضحية، وبنسائها ورجالها الواعين اليقظين، وبشجاعة وإيمان وتوكل قائدها العظيم الشأن الذي لا نظير له، أن تقف في مواجهة أميركا وأوروبا والاتحاد السوفيتي في ذلك اليوم وإمبراطورية الشرق والغرب، وأن تُجبرهم جميعا بعد ثماني سنوات على الاعتراف بانتصار الأمة الإيرانية وبفشلهم هم.

وأما السؤال الثالث: ما الذي حدث حتى تحقق هذا الانتصار؟ أيها الإخوة والأخوات الأعزاء في جميع أنحاء البلاد! ما الذي حدث حتى انتصرتم؟ هل كان هناك عامل غير إيمانكم، وتوكلكم على الله، وقراركم على الصمود في مواجهة أعداء الله، ووحدة كلمتكم ـ التي لم يستطيعوا أن يحطموها بأي وسيلة ـ وتضحية شبابكم البطولية؛ أولئك الشباب الذين، مع أنهم في ريعان الشباب، أعرضوا عن لذات الدنيا ولم يستسلموا للوساوس؛ والآباء والأمهات الذين أعرضوا عن أبنائهم ولم يستسلموا لوسوسة المحبة والعشق لأولادهم؛ وعدم الاعتناء بزخارف الدنيا والنظر إلى الهدف السامي ـ أي رفعة الإسلام والمسلمين ـ هل كان لانتصار الأمة الإيرانية عامل آخر؟ لو أن إيران في ذلك اليوم الذي هاجمها فيه العدو من كل جانب اتجهت إلى الشرق أو إلى الغرب، إلى أميركا، إلى أوروبا، إلى الاتحاد السوفيتي، أكانت ستنتصر أيضا؟ ما كانوا ليدعوها تنتصر. كانت الحرب ستنتهي، ولكن حربا بلا انتصار وبلا فخر؛ وكانوا سيستأنفون هيمنتهم على هذه الأمة.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء! لقد مضى ما يقرب من ثلاثة عشر عاما على انتصار الثورة واقتلاع هيمنة أميركا من هذا البلد؛ لكن أميركا والاستكبار العالمي ما زالا يفكران في إعادة هيمنتهما على هذه الأمة بأي شكل يستطيعان. اعلموا أن أعداء الله غير راضين عن إسلامكم وإيمانكم ووحدة كلمتكم أيها الناس؛ وهم غير راضين عن أن تتحركوا خلف مسؤولي البلاد، وخلف القرآن والإسلام، وخلف رموز الدين وراياته. العدو لا يرضى بهذا النمط من الحياة. لقد أفسدتم الثقافة الاستكبارية في العالم. واليوم صار الأمر عسيرا على الاستكبار.

إن هذا «النظام العالمي الجديد» الذي يتحدث عنه الاستكبار هو كلام تقف وراءه نيات خائنة وخبيثة جدا. ما معنى النظام العالمي الجديد؟ معناه أن النظام الثنائي القطبية في العالم قد انتهى، وأن صراعات الشرق والغرب قد انتهت؛ نعم، انتهت؛ ولكن هل ينبغي أن تكون نتيجة انتهاء صراع الشرق والغرب هي السلطة المطلقة والمتزايدة لأميركا على الشعوب الضعيفة؟! أيعني ذلك ألا يكون للإسلاميين وطالبي الحرية في أي نقطة من العالم حق في أن يتنفسوا؟! أيعني ذلك أن قضية فلسطين يجب أن تنتهي بثمن بيع فلسطين وبيع الفلسطينيين؟! أهذا هو معنى النظام العالمي الجديد؟! هذا ما تريده أميركا. لكن الأمة الإسلامية، بسبب اليقظة التي حصلت عليها من أثر الثورة وصمودكم في الحرب، لن تستسلم لهذه الإرادة الأميركية والاستكبارية.

وبالطبع فإن الحرب كانت لها خسائر كثيرة؛ وكان العدو يعلم ذلك، وهو يعلم ذلك اليوم أيضا. إن خسارة الحرب ليست فقط في تلك اللحظة التي تصيب فيها قذيفة المدفع أو القنبلة أو الصاروخ مكانا ما. فهذه الإصابة تُحدث خرابا. وتبقى هذه الخسارة إلى حين يمكن جبر هذا الخراب.

لقد كانت لدينا حرب استمرت ثماني سنوات. وينبغي لسنوات طويلة أن تتحركوا جميعا أيها الشعب خلف الحكومة، وأن يعمل رجال الدولة بكل طاقتهم وجهدهم وبكل إخلاص نية، وأن تُصرف الثروة الوطنية لهذا البلد في إعادة البناء، حتى نستطيع أن نجبر هذه الخسائر والخراب. إن خراب الحرب لا يزول بهذه السهولة.

هل تعلمون بأي ثمن انتهت الحرب العالمية الثانية بالنسبة إلى أوروبا واليابان وسائر البلدان؟ هل تعلمون كم سنة استغرق الأمر حتى استطاعوا أن يخلصوا أنفسهم من تحت هذا العبء؟ مع أن ثروة أميركا وغيرها كانت وراءهم وتحت تصرفهم.

نحن نريد أن نقف على أقدامنا. نحن نريد أن نعمر البلد بأنفسنا. نحن نريد أن تعمر هذا البلد همتنا وإرادتنا وأموالنا نحن. إن المسؤولين المخلصين في البلاد مشغولون بالسعي. وهم، بالتدبير والإرادة الصحيحة وبمساعدة الأمة، سيتمكنون إن شاء الله من جبر هذا الخراب؛ غير أن ذلك يستغرق قدرا من الوقت. كانت الحرب شديدة، ومرحلة إعادة البناء فيها شدة أيضا؛ وهذا أيضا جزء من مشقة مرحلة الحرب. إن جهادكم اليوم هو في سبيل إعادة البناء والتعمير والسعي إلى حفظ الوحدة.

أسبوع الوحدة هو وحدة الأمة الإسلامية. إن العدو يريد أن يكون بين الفرق الإسلامية نزاع؛ ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية، فقد أراد العدو أن يُحدث فصلا بين إيران الثورية الإسلامية وبين سائر الأمم. إنهم يتمنون من الله أن يقال في العالم الإسلامي: «هؤلاء شيعة، وثورتهم ثورة شيعية، ولا علاقة لها بنا نحن السنة»! لقد قالت الأمة الإيرانية منذ بداية الثورة: نعم، نحن شيعة وموالون لأهل بيت النبي؛ ولكن هذه الثورة ثورة إسلامية على أساس القرآن، وعلى أساس التوحيد، وعلى أساس الإسلام الخالص النقي، وعلى أساس الوحدة والأخوة بين جميع المسلمين. هذا ما قالته أمتنا منذ البداية، وقد صرخ به إمامنا أيضا وبيّنه.

لا تدعوا هذه الوحدة تُخدش. وعلى سائر الأمم المسلمة في البلدان الأخرى ألا تدع الكتّاب وأصحاب الأقلام المأجورين يكتبون ضد الأمة الإيرانية والثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية، وينشرون التهم والافتراءات؛ فهم يفعلون ذلك. وعلى كتّابنا نحن أن يتحلوا باليقظة، وألا يدعوا العدو يجد ذريعة حتى يتسع هذا الشقاق. وعلى الإذاعة والتلفزيون، ووسائل الإعلام، والصحف، ومؤلفي الكتب، الجميع جميعا، أن ينتبهوا وألا يعطوا العدو ذريعة ليُحدث الخلاف بين المسلمين. لقد قلنا إن الإخوة المسلمين أينما كانوا، ومهما كان مذهبهم، فليكونوا؛ ولكن ليكن الجميع إخوة، وليجاهدوا في سبيل الإسلام والتوحيد والقرآن ضد الاستكبار ـ الذي هو ضد الإسلام وضد التوحيد وضد القرآن.

إن المسألة المريرة جدا في هذه الأيام هي مسألة فلسطين. إنهم يقصدون أن يتاجروا بفلسطين ويبيعوها. وهذا المؤتمر المسمى دوليا هو في الحقيقة مؤتمر في اتجاه رغبات الصهاينة؛ غير أن المسلمين، وبخاصة بعض القادة الفلسطينيين، أظهروا من الضعف ما جعل الصهاينة أنفسهم يتدللون الآن! إنهم يقولون: نحن نشارك في هذا المؤتمر بشرط كذا وشرط كذا. وأي شرط هذا؟! إن المسلم الغيور لا يستطيع أن يشارك في مؤتمر يُراد فيه بيع شعب فلسطين وبلد فلسطين إلى العدو؛ بل إن المسلم الغيور لا يستطيع أن يجلس ساكتا. وأنا أقرأ هذا المطلب في رسالة أعددتها باللغة العربية للإخوة والأخوات المسلمين في جميع أنحاء العالم:

السلام على أبناء أمتنا الإسلامية رجالا ونساء في كل مكان. كانت القضية الفلسطينية منذ نصف قرن حتى الآن تمثل مأساة للمسلمين وذروة آلامهم وأمرّ حادثة في تاريخهم الحديث، غير أنه بعد وعد بلفور المشؤوم الذي شكّل الخطوة الأولى في تشريد الفلسطينيين لم تتعرض فلسطين المحتلة ولم يتعرض شعبها لأخطر من هذه المؤامرة التي تحيك خيوطها اليوم أميركا تساندها بعض الدول الأخرى ويدعمها سكوت وتعاون بعض بلدان المنطقة العربية.

الخطة المعدة لفلسطين الآن هي تصفية القضية وبيع كل الأرض الإسلامية الفلسطينية إلى الجناة الغاصبين الصهاينة، وهذا خطر فادح يتهدد المسلمين ومأساة ماحقة شاملة تحل بهم، لو قدر للخطة أن تتحقق لا سمح الله.

كل قبول ورضوخ لهذا الذي يراد له أن يتحقق من خلال المؤتمر المدبر لقضية فلسطين هو في رأي الإسلام، حرام ومعارض لأحكام الشريعة المقدسة.

وهذه الحادثة من الناحية السياسية تشكل أكبر إهانة للشعوب المسلمة والحكومات المسلمة وأوسع باب للتوغل في البلدان الإسلامية وللعبث بمقدراتها وأفظع استهانة بكرامة كل دعاة الحق والتحرر وأبشع مقدمة لقمع كل مظاهر الصحوة واليقظة في منطقة الشرق الأوسط وفي جميع أرجاء العالم الإسلامي، وهي بالتالي تمهيد لتحقق نوايا الاحتلال الصهيوني في التوسع من النيل إلى الفرات. إنها من الناحية الإنسانية والأخلاقية استهزاء بكل الشهداء والمجاهدين الذين بذلوا النفس والنفيس على طريق فلسطين خلال نصف القرن الماضي وظلم بكل العوائل المشردة التي عانى جيلان منها حياة المخيمات وآلام اغتصاب البيت والتراب. إنها حكم بذبح آلاف الشباب الفلسطينيين المقاومين وبهتك حرمة آلاف النساء الفلسطينيات الصابرات في المستقبل، إنها تعني استمرار ما يعانيه شعب من فقر وفاقة وسقم وتشريد.

مع كل هذا، أي مسلم غيور من الحكام ومن سائر أبناء هذه الأمة يجيز لنفسه أن يؤيد المؤتمر الأميركي المرتبط بفلسطين أو يشترك فيه أو يرضخ لنتائجه، إنها خيانة بالشعب الفلسطيني وخيانة بالقضية الفلسطينية وخيانة بالإسلام. السكوت عنه مأساة والاشتراك فيه جريمة كبرى. لو أن أميركا ظنت أن مثل هذه المؤتمرات قادرة على إخماد اللهب الإسلامي المقدس المتصاعد في فلسطين فهي خاطئة تماما، ولو أن فئة من ساسة العرب فلسطينيين كانوا أم غير فلسطينيين، يتصورون أن الشعب الفلسطيني وشعوبهم سوف تغفر لهم اشتراكهم في هذه المؤامرة، فهم مخطئون جدا.

فلسطين، ملك للشعب الفلسطيني وجزء من الأرض الإسلامية. الكيان الغاصب لا بد أن يضمحل، وهذا هو قدر فلسطين الذي سيتحقق عاجلا أم آجلا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولا يفوتني أيها الإخوة والأخوات أن أبارك للأمة الإسلامية جمعاء ذكرى مولد المصطفى (عليه أفضل الصلاة والسلام) وذكرى مولد حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) سائلا الله تعالى أن يجعل هذه الذكرى العطرة مصدر إلهام يزيد المسلمين عزما على تحقيق وحدتهم وعزتهم وكرامتهم.

عباد الله اتقوا الله وعليكم بالجد والاجتهاد والتأهب والاستعداد والتزود في منزل الزاد واستغفروا الله لي ولكم.

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته