6 /خرداد/ 1372
رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام
ملاحظة: تمت ترجمة هذا النص تلقائياً باستخدام GPT-4o-mini وقد يحتوي على أخطاء. يمكنك العثور على النص الفارسي الأصلي ورابط المرجع أدناه. يمكنك أيضاً دعمنا للترجمة إلى مزيد من اللغات باستخدام نماذج أكثر قوة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسوله النبي الأميين، وعلى آله الميامين وأصحابه المنتجبين، والسلام على جميع عباد الله الصالحين. قال الله الحكيم: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود.
مرة أخرى، جمعت الإرادة الإلهية النافذة المؤمنين في موطن التوحيد وبارقة الرحمة والفضل الربوبي، وحول كعبة القلوب، وفي ساحة قبلة أرواح مسلمي العالم، وغلب النداء الملكوتي: وأذّن في الناس بالحج، على الفواصل الطبيعية والمفروضة بين الإخوة المسلمين، وساق حشود القلوب التي تخفق بإيمان وعشق وحاجة واحدة نحو مركز التوحيد ووحدة الأمة. لقد سعت يد الجهل والعناد، طوال سنين مديدة، إلى أن تفصل الأسرة الإسلامية الكبرى في آن واحد عن جذورها الاعتقادية وعن علائقها وروابطها الإيمانية فيما بينها، ولكن من هذه الجهة أيضاً، فإن فريضة الحج كل عام تحقن درس التوحيد والوحدة في جسد هذه الأسرة العريقة الضاربة الجذور، وتبشر كل سنة بأزهار جديدة، أكثر من ذي قبل، بتجدد ربيع الإيمان والحياة الدينية والألفة والمودة الإسلامية، وتبطل ما صنعته يد العدو. وهذه هي معجزة الحج، إذ على الرغم من وجود الصراعات والنزاعات التي اصطفّت فيها حكومات المسلمين مراراً في مواجهة بعضها بعضاً، لم تنقطع قط الروابط الفكرية والعاطفية والإيمانية بين الشعوب المسلمة، وكانت التأثيرات المتبادلة بين هذه الشعوب دائماً في ازدياد. وإن كانت أسرار الحج ورموزه أكثر من أن يمكن الإحاطة بها في كلام، إلا أن كل عين خبيرة بالأسرار تتعرف فيه، في النظرة الأولى، على ثلاث خصائص بارزة: أولها أن الحج هو الفريضة الوحيدة التي دعا الله لأدائها جميع آحاد المسلمين، كل من كان منهم مستطيعاً، من أرجاء العالم كافة، ومن خلوات البيوت ودور العبادة، إلى نقطة واحدة، ويربطهم بعضهم ببعض في أيام معلومات، في شتى أنواع السعي والحركة والسكون والقيام والقعود: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. وثانيها أنه في هذا العمل الجماعي العلني نفسه، يعرّف أسمى منزلة مقصودة بأنها ذكر الله، أي عملاً قلبياً ونفسياً: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. وثالثها أنه يعرض في صفحته الواضحة المعروفة لدى الجميع صورةً عن الهيئة العامة لحياة الإنسان الموحد، ويعطي المسلم، في عمل رمزي، درس الحياة الهادفة ذات الاتجاه. فمن الدخول في الميقات والحضور في ساحة الإحرام والتلبية والتروك، إلى الطواف حول مركز الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في محشر عرفات والمشعر، والذكر والتضرع والتعارف الذي فيه، إلى الوصول إلى منى وقربانها ورمي جمرتها وحلقها، ثم العودة مرة أخرى إلى الطواف والسعي. كل ذلك، كله كله، دروس بليغة واضحة في الحركة ذات الاتجاه والجماعية والمعرفة للمسلم، في ساحة التوحيد وفي مسعى الحياة وحول محور «الله». إن الحياة في مرآة الحج سير دائم، بل صيرورة دائمة نحو الله، والحج هو ذلك الدرس العملي البنّاء الحي دائماً، الذي إذا كنا على وعي رسم لنا طريق حياتنا وأسلوبها في ساحة عملية واضحة. إن موعداً عاماً ينعقد كل سنة لكي يتعلم المسلم فيه، في ذلك الجو من الوحدة والتفاهم، وفي ظل ذكر الله، طريق الحياة واتجاهها، ثم يعود إلى أرضه وبين قومه، وفي السنوات التالية تأتي جماعات أخرى وجماعات أخرى، وتذهب، فتتعلم وتكتسب، وتقول وتعمل، وتسمع وتتدبر، وفي النهاية تبلغ الأمة كلها ما أراده الله وما علّمه الدين. إن النظر إلى الساحة العظيمة لحياة الأمة الإسلامية، بما يتجاوز أبعاد الشعوب والأعراق والأقوام والقبائل، والنظر إلى أعماق الذات وتعلم طريق الحياة واتجاهها وأسلوبها كما يليق بها، وكل ذلك في شعاع من ذكر الله، هو ذلك المنبع المعرفي الذي يفيض كل عام في الحج، فياضاً لا يزول، على حشود الخلائق المجتمعة في حرم الله الآمن، فيروي من هذا الزلال المعرفي أولئك الذين يفتحون أوعية عقولهم وقلوبهم. وقد جرت في الماضي واليوم أيضاً محاولات لتصوير الحج على أنه فريضة فردية لا ينشغل فيها كل شخص إلا بعبادته ومناجاته الخاصة مع الله. ودعك من أولئك الغافلين الذين ينظرون إلى سفر الحج بعين الرحلة السياحية والتجارية. إن الحج، بما فيه من خصائص لا يمكن أن توجد مجموعتها في أي فريضة إسلامية أخرى، أسمى بكثير من رؤيتهم الضيقة، ومن نظرة هؤلاء الخافتة السطحية. وفي عصرنا، كان أعظم من أخرج الحج من وراء أوهام الناس وكشف أسراره في الأذهان وفي عمل جمع عظيم من المسلمين هو إمامنا الراحل الكبير. لقد نادى بالحج الإبراهيمي ودعا الخلائق إليه. وأسمع العالم مرة أخرى نداء: أذّن في الناس بالحج. والحج الإبراهيمي هو نفسه الحج المحمدي الذي تكون فيه الحركة نحو التوحيد والاتحاد روح جميع المراسم والشعائر وعنوانها، حجّاً هو مصدر بركة وهداية وعموداً أصلياً في حياة الأمة الواحدة وقيامها، حجّاً مفعماً بالمنافع وغنياً بذكر الله، حجّاً تلمس فيه الشعوب المسلمة وجود الأمة المحمدية الشاملة (صلى الله عليه وآله) وحضورها فيها، وتتحرر، مع الإحساس بأخوة الشعوب وتقاربها، من الشعور بالضعف والعجز والانبهار. والحج الإبراهيمي هو الذي يتحرك فيه المسلمون من التفرقة إلى الجماعة، ويطوفون بالكعبة، وهي البناء التذكاري للتوحيد ورمز البراءة والنفور من الشرك وعبادة الأصنام، بمعرفة معناها الرمزي، ويصلون من ظاهر المناسك وهيئتها إلى باطنها وروحها، ويأخذون منها زاداً لحياتهم وحياة الأمة الإسلامية. والآن، فإنني، راجياً رحمة الله وهدايته، وداعياً بقبول حجكم وإثماره، أيها الإخوة والأخوات المسلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي، أغتنم فرصة التدبر في مناسك الحج، فأعرض تذكرةً أموراً يكون الالتفات إليها نافعاً لجميع آحاد المسلمين:
1 أول ما أذكره هو في باب التوحيد، الذي هو الروح الأساسية للحج ومضمون كثير من أعماله ومناسكه. إن التوحيد، بمفهومه القرآني العميق، يعني التوجه والحركة نحو الله، ورفض الأصنام والقوى الشيطانية ونفيها. وأخطر هذه القوى في داخل وجود الإنسان هو النفس الأمارة والأهواء والشهوات المضللة والمحطة، وعلى مستوى المجتمع والعالم هي تلك القوى الاستكبارية المثيرة للفتنة والفساد، التي قد ألقت اليوم مخالبها على حياة المسلمين، وجعلت، بأساليب شيطانية، أجساد كثير من الشعوب المسلمة وأرواحها عرضة لسياساتها. ومراسم البراءة في الحج هي إعلان التبرؤ من هذه القوى. وكل عين بصيرة ونظرة اعتبارية تستطيع أن تشاهد في حياة المجتمعات المسلمة علامة هيمنة هذه القوى أو سعيها للسيطرة على البلدان الإسلامية. ففي بعض هذه البلدان، تكون السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والمواقف من أحداث العالم منسجمة مع القوى المهيمنة ومتأثرة بها، وعلى رأسها أمريكا. وإن شيوع الفساد ورسمية الفحشاء والمحرمات الشرعية في كثير من هذه البلدان متأثر بالسياسات الشيطانية لتلك القوى. والواجب الذي يفرضه الحج وأعماله وشعائره التوحيدية على المسلم الحاج هو إظهار البراءة والتبرؤ من كل ذلك، وهذه هي الخطوة الأولى في طريق تجسيد الإرادة الإسلامية في نفي هذه الظواهر الشيطانية وإقامة حاكمية الإسلام والتوحيد على جميع المجتمعات الإسلامية.
2 والمطلب التالي هو في باب اتحاد المسلمين ووحدتهم، وهو مضمون بارز آخر من مضامين مناسك الحج. فمنذ بداية دخول الاستعمار الأوروبي إلى البلدان الإسلامية، كانت إحدى السياسات الحتمية للمستعمرين هي إيجاد الفرقة بين المسلمين. تارة بسلاح الخلافات المذهبية، وتارة بأداة القومية والوطنية، وتارة بغير ذلك. وللأسف، مع وجود صرخات المصلحين ومنادي الوحدة، فإن هذا السلاح الذي بيد العدو ما زال إلى حد ما يوجه الضربات والجراح إلى جسد الأمة الإسلامية. إن إذكاء الخلافات بين الشيعة والسنة، والعرب والعجم، والآسيويين والأفارقة، وإبراز القوميات العربية والطورانية والفارسية، وإن كان قد بدأ على يد الأجانب، إلا أنه للأسف يُتابَع اليوم على يد أبناء الداخل الذين يسكبون الماء في طاحونة العدو بسبب سوء الفهم أو خدمة الأجانب. ويبلغ هذا الانحراف أحياناً حداً تسعى فيه بعض الحكومات المسلمة، بإنفاق الأموال، إلى إيجاد الفرقة بين المذاهب الإسلامية أو بين الشعوب والأقوام الإسلامية، أو يفتي بعض المتظاهرين بالعلم صراحة بكفر بعض الفرق الإسلامية التي سوابقها المشرقة في تاريخ الإسلام واضحة. ومن الجدير بالشعوب المسلمة أن تعرف الدوافع الخبيثة لهذه الأعمال، وأن ترى اليد الخفية للشيطان الأكبر وأعوانه وأذنابه وراءها، وأن تفضح الخونة.
3 والنقطة المهمة التي ينبغي لجميع المسلمين أن يعرفوها وأن يشعروا بالتكليف في مواجهتها هي أن هناك اليوم، في كل أنحاء العالم تقريباً، صراعاً شديداً تآمرياً من قبل القوى الاستكبارية ضد الإسلام والمسلمين. وإن كان أصل هذا الصراع ليس جديداً، وعلاماته معروفة تماماً في تاريخ الاستعمار الأوروبي، إلا أنه يمكن القول إن تنوع أساليبه، وعلنيته، وكونه في بعض الموارد بالغ القسوة، أمور لم يسبق لها مثيل حتى الآن، وهي من ظواهر هذا العصر. وإن نظرة إلى أوضاع العالم الإسلامي الراهنة تكشف سبب هذه الظاهرة، أي اشتداد الصراع مع الإسلام وعلنيته. وليس السبب إلا اتساع يقظة المسلمين. والحقيقة أن المسلمين في العقد أو العقدين الأخيرين، في شرق العالم الإسلامي وغربه، بل وحتى في البلدان غير الإسلامية، قد بدأوا نهضة حقيقية عميقة ينبغي أن تسمى نهضة «تجديد الحياة الإسلامية». وها هي هذه الأجيال الشابة المتعلمة والمتمتعة بمعارف العصر، على خلاف ما كان يتوقعه مستعمرو الأمس ومستكبروا اليوم، لم تنس الإسلام فحسب، بل أقبلت عليه بإيمان متقد، صار، بفضل الاستفادة من تقدم المعارف البشرية، أكثر بصيرة وعمقاً، وتبحث فيه عن ضالتها. إن قيام الجمهورية الإسلامية في إيران واستقرارها وثباتها واقتدارها المتزايد يوماً بعد يوم هو ذروة قمة هذه النهضة الشابة العريقة، التي أدت هي نفسها الدور الأكبر في توسيع يقظة المسلمين. وهذا هو الذي يدفع جبهة الاستكبار، التي كانت تتحاشى دائماً إظهار محاربة عقائد الشعوب ومقدساتها، إلى أن تدخل ميدان محاربة الإسلام علناً وبكل الأساليب الممكنة، وأحياناً بقسوة وعنف. وفي أمريكا والبلدان الأوروبية يمكن التعرف على رؤساء وسياسيين عديدين صرحوا في أقوالهم، مرة واحدة على الأقل، بأن نمو الإيمان الإسلامي واتساعه خطر كبير، وعدّوا محاربته أمراً لازماً. وكلما اتسع الميل العام لدى الشباب المسلمين إلى الإيمان والعمل الإسلامي، أصبحت هذه التصريحات الناشئة عن الاضطراب والعداء أوضح، وقد بلغ الأمر الآن حداً صار فيه حتى رؤساء وسياسيو بعض البلدان الإسلامية، الذين كانوا يخفون دائماً عنادهم للإسلام تحت غطاء من النفاق، يتحدثون علناً وصراحة، اقتداءً بأربابهم الأمريكيين والأوروبيين، عن خطر الإسلام! ويعدّون إيمان الشعوب المقدس التي يحكمونها خطراً على أنفسهم. ومحاربة اليقظة الإسلامية على مستوى العالم لها أشكال متنوعة: ففي الجزائر، حين يصوتت الأغلبية الساحقة من الشعب في انتخابات حرة وديمقراطية تماماً لحاكمية الجبهة الإسلامية، يبطل انقلاب عنيف الانتخابات، ويسجن المنتخبين ويحكم عليهم، ويقمع الشعب، ثم تتنفس القوى المستكبرة في أمريكا وأوروبا الصعداء وتقف تماماً خلف الانقلابيين، وتكشف يدها الخفية في ذلك. وفي السودان، تصل الجماعات الإسلامية إلى الحكم بدعم حاسم من الأمة، ثم يبدأ الغرب مختلف تحريكاته، ويهددهم باستمرار من داخل حدودهم وخارجها. وفي فلسطين ولبنان، يتعرض الفلسطينيون المسلمون لأبشع أنواع القمع والتعذيب على يد الصهاينة الغاصبين، ثم تساعد أمريكا أولئك القتلة الوحوش والمعذبين، وتتهم أولئك المظلومين المسلمين أو المدافعين اللبنانيين عنهم بالإرهاب. وفي جنوب العراق، يتعرض القسم العظيم من شعب العراق، الذين اتخذوا من محاربة النظام البعثي نهجاً بدوافع وشعارات إسلامية، لأبشع الهجمات من قبل ذلك النظام، بينما تظهر أمريكا والغرب، اللذان أظهرا دوافعهما للمواجهة القوية مع صدام في قضايا أخرى علناً، هنا بصمت ينم عن الرضا والتشجيع. وفي كشمير والهند، يعتدي التعصب الأعمى والجهل المظلم لدى الهندوس، مستفيداً من إغضاء الدولة وأحياناً من مساعدتها، على أعراض المسلمين وأرواحهم ومقدساتهم، ويواجه ذلك ببرود وابتسامة لا مبالية من أمريكا والغرب. وفي مصر، تتعرض أكثر الأجيال المسلمة استنارة للملاحقة العنيفة الغاضبة من قبل النظام الفاسد العاجز في ذلك البلد، وتحظى الحكومة التابعة الحقيرة لذلك البلد الكبير بتشجيع أمريكا ومساعدتها المالية والأمنية. وفي طاجيكستان، يُقمع أكثرية الشعب المسلم المتشوق للحياة في ظل الإسلام بشدة على يد بقايا النظام الشيوعي، ويُشرَّد جمع غفير منهم من بيوتهم وأوطانهم، والغرب، مع كل قلقه المزعوم من عودة الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي السابق، يعد حركتهم هذه فرصة مغتنمة، ويقف في المقارنة بين الإسلام والشيوعية علناً إلى جانب أعداء الإسلام. وفي أمريكا وأوروبا، يتعرض المسلمون والجماعات الإسلامية للإهانة والاتهام، وفي بعض الموارد يُمنع إظهار الالتزام الإسلامي، من قبيل حجاب النساء. والإهانة العلنية للإسلام في قالب كتاب محظور، وعلى يد كاتب مهدور الدم، تتلقى مراراً دعماً علنياً من زعماء الأنظمة الأوروبية، بل إن رئيس النظام البريطاني السيئ السمعة والسجل يلتقي بذلك الكاتب المأجور التافه. وأسوأ من كل ذلك، الفاجعة غير المسبوقة المتمثلة في الإبادة الجماعية للمسلمين في البوسنة؛ فمنذ أكثر من سنة، يرتكب الصرب العنصريون، ومؤخراً بمشاركة الكروات، مستندين إلى سلاح وإمكانات نظام صربيا ومساعدات خارجية، أبشع أنواع القتل والظلم والقسوة وأكثرها لا إنسانية بحق المسلمين، أي أصحاب البوسنة والهرسك الأصليين، بينما لم يقدم الغرب وأمريكا لهم أي عون، ولم يظهرا أي منع لجرائم الصرب، بل حالا، باستخدام إمكانات مجلس الأمن، دون وصول السلاح إلى المسلمين المظلومين، وأكملا حصارهم بإرسال قوات الأمم المتحدة. وعلى المسلمين اليوم وفي المستقبل أن يعلموا أن أمريكا والدول الأوروبية الكبرى مذنبة ومسؤولة مباشرة في فاجعة البوسنة الفريدة. ففي هذه السنة قدموا حفنة من الكلام الفارغ والوعود الكاذبة، لكنهم لم يمنعوا قتل حتى شخص واحد من آلاف القتلى المظلومين في تلك الأرض، بل أكثر من ذلك، منعوا أيضاً أن يمتلكوا القدرة على الدفاع عن أنفسهم. وهذه صورة مجملة لعداء الغرب وأمريكا للإسلام والمسلمين في عصرنا. لا التوسل، ولا الاستسلام، ولا التفاوض، ولا أي من الطرق التي يقترحها بعض السذج على المسلمين، يحل العقدة ويكون سبب نجاة المسلمين. إنما العلاج شيء واحد لا غير، وهو اتحاد المسلمين، والتمسك بالإسلام وقيمه وأصوله، والمقاومة أمام الضغوط، وتضييق الساحة على العدو على المدى البعيد. واليوم فإن عين أمل العالم الإسلامي متجهة إلى الشباب الغيورين وأبناء التعبئة في جميع البلدان الإسلامية، ليدافعوا عن كيان الإسلام ويؤدوا دورهم التاريخي.
4 ومن النقاط المهمة الأخرى التي يجب التأكيد عليها أن الاستكبار، مع جميع تدابيره الشيطانية، ومع استخدامه القوة والحيلة السياسية والدعاية الكاذبة، لم يستطع ولن يستطيع أبداً أن يوقف التيار المتنامي لليقظة الإسلامية ونهضة التوجه إلى الإسلام. إن النشاط السياسي والأمني الشامل، ولا سيما الدعائي، الذي تقوم به أمريكا وسائر البلدان الاستكبارية وأذنابها الإقليميون ضد النهضة الإسلامية في مختلف البلدان، ومنها ضد نظام الجمهورية الإسلامية المقدس في إيران، كان في السنوات الأخيرة غير مسبوق وواسعاً جداً. وفي هذا السياق، أدى النظام الصهيوني، بوصفه زائدة لأمريكا في المنطقة، دوره بأقصى ما يُنتظر منه من دناءة وخبث. وكانت الحسابات المادية العادية تقضي بأنه ينبغي، نتيجة لهذا الجهد الشامل المرتب على نحو استكباري ومن منطلق الغضب والعناد، أن تضعف النهضة الإسلامية في البلدان الإسلامية أو تُستأصل. ولكن على العكس تماماً، يشهد الجميع أن هذه النهضة قد اتسعت وتعمقت مع مرور الزمن. ويمكن الآن الإشارة إلى بلدان إسلامية متعددة لو أجريت فيها انتخابات نظير ما جرى قبل عامين في الجزائر، لجذبت الأحزاب أو الناشطون الإسلاميون أكثرية أصوات الناس في تلك البلدان، وذلك في حين أن نشاط الجماعات الإسلامية، بل وحتى التظاهرات السياسية والدعائية للإسلاميين، محظور في أكثر هذه البلدان. وفي هذه السنوات نفسها، ضيقت نضالات الشعب داخل الأراضي الفلسطينية المغتصبة، بشعارات إسلامية وبمركزية المساجد، الخناق على الصهاينة، وفي هذه السنوات نفسها حققت الجماعات الإسلامية المجاهدة في لبنان نجاحاً لافتاً حتى في الانتخابات البرلمانية وكذلك في المواقع الشعبية. وفي هذه الفترة الزمنية نفسها، مضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كان بعض السذج يتوقعون أن تصل إلى طريق مسدود أو تتخلى عن أصولها ومثلها، إلى الأمام بسرعة تفوق التوقع، مع إصرارها على أصولها الثورية. وإنني أقول للإخوة والأخوات المسلمين في كل أنحاء العالم الإسلامي إن الحيلة الكبرى للعدو هي أن يجعلكم يائسين ومتشائمين من المستقبل. وهذا وحده كافٍ لكي لا يسمح أي مسلم بصير لليأس أن يدخل قلبه. لا شيء يجيز لنا أن نيأس؛ فلو كان العدو قادراً على القضاء على هذه الحركة الإلهية، لكان ينبغي على الأقل أن يستطيع منع نموها، وأنتم جميعاً ترون أنه لم يستطع. إن السنن الإلهية والحقائق الخارجية تبشران بمستقبل مشرق للنهضة الإسلامية الجديدة، والقرآن يقول مراراً: والعاقبة للمتقين.
5 إن الدعاية الحديثة ذات الغطاء العالمي هي بلا شك أنجع أسلحة الاستكبار. واليوم فإن عدد وسائل الإعلام الصوتية والمرئية والصحفية التي كرست أكبر جهدها لعداء الإسلام كبير جداً، وما زال في ازدياد. وهناك خبراء مأجورون لا شغل لهم إلا صنع الأخبار والموضوعات والتحليلات وصياغتها لتضليل أذهان مستمعيهم، وتقديم النهضة الإسلامية بصورة خاطئة، ورسم صورة قبيحة للشخصيات الإسلامية الكبرى، وقد واجهت الجمهورية الإسلامية، منذ سنوات ما بعد انتصار الثورة إلى اليوم، مثل هذه الدعاية العدائية بلا انقطاع وبصورة متزايدة. ويجب القول إن هذه الحيلة أيضاً لم تحقق نجاحاً كبيراً أمام الحركة الإسلامية الأصيلة المنبثقة من الفطرة والحاجة، ولم تبلغ مقصود العدو. وإن اتساع موجة الدعوة الثورية للإمام الراحل العظيم الشأن في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وحضور فكره واسمه وإرشاداته وصورته ورمزه في شرق العالم وغربه، على الرغم من كل تلك الدعاية الكاذبة والكلام الباطل الذي قيل ونشر بقصد تشويه الصورة الملكوتية لذلك الوارث للأنبياء، هو أوضح دليل على هذا المدعى. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن العامل المهم في حفظ سلامة فكر الشعوب المسلمة واستقامته هو التنوير الذي يقوم به العلماء والمفكرون والكتاب والفنانون والشباب الناشطون الواعون. والجميع، ولا سيما علماء الدين الملتزمون، تقع على عاتقهم في هذا الشأن مسؤولية كبيرة. لقد وجه العدو، منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وحتى اليوم، قائمة من الاتهامات إلى إيران الإسلامية. ونرى أن التهم نفسها تُوجَّه اليوم إلى جميع النهضات الإسلامية أينما كانت في العالم. تهمة التعصب والجمود الفكري التي يسمونها «الأصولية»، وتهمة الإرهاب، وتهمة عدم الاكتراث بحقوق الإنسان، وتهمة معاداة الديمقراطية، وتهمة عدم الاكتراث بحقوق المرأة، وتهمة معاداة السلام ومناصرة الحرب. وإن قدراً يسيراً من الإنصاف يكفي لأن يطلع أي إنسان على كذب هذه التهم وعلى وقاحة مطلقيها. تُتَّهم إيران الإسلامية بمعاداة الديمقراطية في حين أنه منذ خمسين يوماً بعد انتصار الثورة الإسلامية الكبرى وحتى أربعة عشر شهراً بعد ذلك، جرى فيها استفتاءان عامان، اختار الشعب الإيراني في أحدهما الجمهورية الإسلامية نظاماً سياسياً للبلاد، وصوّت في الآخر على الدستور، وثلاثة انتخابات عُيِّن فيها على الترتيب أعضاء مجلس الخبراء لكتابة الدستور، ورئيس الجمهورية، وممثلو مجلس الشورى الإسلامي، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم جرت دائماً انتخابات حرة، بمشاركة شعبية حماسية، لتعيين رئيس الجمهورية وممثلي المجلس في مواعيدها القانونية. وتهمة الإرهاب يوجهها إلى إيران الإسلامية أولئك الذين قدموا هم أنفسهم أكبر دعم للدولة الصهيونية الإرهابية، ويضعون الجماعات الإرهابية المناهضة للثورة الإيرانية تحت مظلة حمايتهم، وقد قام مرتزقتهم مئات المرات بالتفجيرات داخل إيران الإسلامية، وقتلوا آلافاً من الناس العاديين والعناصر الثورية والرجال والنساء والأطفال الأبرياء. ومعاداة السلام ينسبها إلى الجمهورية الإسلامية أولئك الذين فرضوا على إيران حرباً استمرت ثماني سنوات بتحريض النظام البعثي العراقي وعلى يده، وقدموا له طوال تلك المدة شتى أنواع المساعدات، لأنه كان، بسبب هجومه على إيران الإسلامية، نظامهم المحبوب. وتضييع حقوق المرأة تهمة يطلقها أولئك الذين لا يرضيهم المقام الرفيع للمرأة الإيرانية التي تشارك، مع حفظ الحجاب والحد الشرعي، في أرقى نشاطات البلاد، ويعدّون الابتذال الحاكم على العلاقات بين الرجل والمرأة والاستغلال الجائر للمرأة في المجتمعات الغربية النسخة المطلوبة في الحياة الاجتماعية للمرأة. وتهمة انتهاك حقوق الإنسان توجهها إلى إيران أنظمة ارتكبت أو مهدت لارتكاب أكبر وأدهش صور سحق حقوق البشر. فهل انتُهكت حقوق الإنسان في العالم الجديد قط كما تُنتهك اليوم في البوسنة؟ أليس انتهاك حقوق شعب كالشعب الفلسطيني انتهاكاً لحقوق الإنسان؟ أليس الطرد الجماعي لأكثر من أربعمائة مواطن فلسطيني إلى خارج بيوتهم ووطنهم، أمام أعين العالم المدعي نصرة حقوق الإنسان، أمراً لا يُغتفر؟ أليس إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية من قبل أمريكا فوق الخليج الفارسي، أو الظلم الواقع على السود في أمريكا، أو دعم الانقلابيين في الجزائر، أو دعم النظام الفاسد في مصر، أو إحراق جماعة من الناس أحياء في أمريكا، وأمثال ذلك، انتهاكاً لحرمة الإنسانية وحقوقها؟ وهل إن الحكومات التي تسحق حقوق الإنسان بهذه الجرأة، أو تشاهد ساحقيها بنظرة باردة لا مبالية بل راضية مشجعة، منزعجة حقاً من أن تُنتهك، بحسب زعمهم، حقوق الإنسان في إيران الإسلامية؟! والحقيقة أن مطلقي هذه التهم أنفسهم، ومنهم زعماء أمريكا الحاليون الذين أثاروا أخيراً ضجيجاً جديداً حول هذا السلاح الدعائي الصدئ القديم، يعلمون جيداً أنهم يقولون كلاماً باطلاً. إن ما لا يرضيهم في الجمهورية الإسلامية ليس هذه الأمور، بل أمور أخرى لا تسمح لهم المصلحة السياسية بأن يعلنوها صراحة، وإن كان استعراض تصريحات منظريهم وكتّابهم يكشف مقصودهم. إن الأمور التي تثير غضب أمريكا وكل مستكبر آخر في نظام الجمهورية الإسلامية هي هذه: أولاً، عدم انفصال الدين عن السياسة، والأساس الإسلامي للجمهورية الإسلامية. ثانياً، الاستقلال السياسي لهذا النظام، بمعنى عدم خضوعه لأساليب الإكراه المعتادة لدى القوى الكبرى. ثالثاً، إعلان الحل المحدد للجمهورية الإسلامية بشأن قضية فلسطين، وهو حل النظام الصهيوني الغاصب وتشكيل دولة فلسطينية مؤلفة من الفلسطينيين أنفسهم، وتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين. رابعاً، الدعم المعنوي والسياسي لجميع النهضات الإسلامية، واستنكار الضغط على المسلمين في أي مكان من العالم. خامساً، الدفاع عن كرامة الإسلام والقرآن والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وسائر أنبياء الله، ومواجهة مؤامرة إشاعة الإهانة لهذه المقدسات، نظير ما شوهد في قضية كاتب آيات شيطانية المهدور الدم. سادساً، السعي إلى اتحاد الأمة الإسلامية والتعاون السياسي والاقتصادي بين الحكومات والبلدان الإسلامية، والتحرك في اتجاه تثبيت اقتدار الشعوب المسلمة في إطار «الأمة الإسلامية الكبرى». سابعاً، رفض الثقافة الغربية المفروضة ونفيها، وهي الثقافة التي تصر الحكومات الغربية، بضيق أفق وتعصب، على إلزام جميع شعوب العالم بقبولها، والإصرار على إحياء الثقافة الإسلامية في البلدان المسلمة. ثامناً، محاربة الفساد والانفلات الجنسي، الذي أضفت بعض الحكومات الغربية، ولا سيما أمريكا وإنجلترا، أخيراً الشرعية بوقاحة على أكثر أشكاله انحرافاً، أو هي في طريقها إلى ذلك، وقد خططت وسعت منذ عشرات السنين لإدخال الأشكال المختلفة من هذا الفساد إلى البلدان الإسلامية. هذه هي الأمور التي توجب العداء الحاقد من أمريكا وحلفائها للجمهورية الإسلامية. ومن الواضح أنه لو أنهم صرحوا بسبب عدائهم وكشفوا هذه القائمة، لأضافوا بأيديهم إلى اعتبار الجمهورية الإسلامية في أعين الشعوب المسلمة التي تتعلق كلها بهذه المبادئ. ولهذا فإنهم في دعايتهم، من جهة، يتهمون إيران الإسلامية بالإرهاب وما شابه ذلك، ومن جهة أخرى يصورون، بتحليلات كاذبة وأخبار مختلقة، كأن الجمهورية الإسلامية قد تخلت عن مبادئها واستسلمت لرغبة العدو! وكلا القولين كذب، ومن طبيعة الاستكبار الخادعة. إن مبادئ الجمهورية الإسلامية، وهي نفسها طريق الإمام ومباني الإسلام المسلمة، ما زالت، رغم العدو، معتبرة في إيران الإسلامية، وهي أساس حياتنا السياسية والاجتماعية، ولن تتخلى دولة إيران وشعبها، في أي ظرف، عن الحياة في ظل الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله) الذي تحقق بالتضحية وبذل أعز الأرواح، وستبقى مبادئ الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، وعلى رأسها مبدأ عدم انفكاك الدين عن السياسة، ومقاومة ضغط المادية الحديثة لعزل الإسلام والقرآن، مبادئ حية دائماً للجمهورية الإسلامية.
6 وفي الختام، أوصي الحجاج الأعزاء بأن يستفيدوا من فرصة الحج أقصى استفادة لاكتساب المعرفة بإخوتهم المسلمين، وأن يحصلوا على أوضاع العالم الإسلامي من لسان المسلمين وسلوكهم، وأن يتبادلوا التجارب والآمال والإنجازات والقدرات، وأن يجعلوا حجهم أقرب ما يكون إلى الحج الذي يريده الإسلام. كما أوصي الإخوة والأخوات الإيرانيين الأعزاء بأن يكونوا، باللسان والعمل، مبلغين ورسلاً لثورتهم البهيّة وبلدهم الكبير وشعبهم البطل إلى الإخوة في البلدان الأخرى. وليغتنموا الجوار القصير الأمد لبيت الله وحرم النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواقف الحج القيمة وأرض الحجاز المفعمة بالذكريات، لإحياء القلب بذكر الله، وتوثيق رابطتهم المعنوية برسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطيبة (عليهم السلام)، ولا سيما التوجه والتوسل إلى حضرة ولي الله الأعظم الذي لا شك أن فيض حضوره المقدس في مراسم الحج يشمل القلوب العارفة، وكذلك الأنس بالقرآن والتدبر في آياته البينات، والدعاء والتضرع والتوسل الذي هو سبب القرب إلى الله، وليستفيدوا من ذلك، وليدعوا لرفع مشكلات المسلمين، وللقوة والعزة المتزايدتين للإسلام والجمهورية الإسلامية، وليسألوا الله علو درجات روح الإمام الراحل الطاهرة وأرواح شهداء الإسلام الطيبة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
24 ذو القعدة 1413 الموافق 28 أرديبهشت 1372
علي الحسيني الخامنئي